الشيخ محمد رشيد رضا

446

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فلا جناح عليها ولا عليه في الصلح الذي يتفقان عليه بينهما ، كأن تسمح له ببعض حقها عليه في النفقة أو المبيت معها أو بحقها كله فيهما أو في أحدهما لتبقى في عصمته مكرمة أو تسمح له ببعض المهر ومتعة الطلاق أو بكل ذلك ليطلقها ، فهو كقوله تعالى في سورة البقرة « فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ » وانما يحل للرجل ما تعطيه من حقها إذا كان برضاها لاعتقادها انه خير لها من غير أن يكون ملجئا إياها اليه بما لا يحل له من ظلمها أو إهانتها . روي عن بعض مفسري السلف أن هذه الآية نزلت في الرجل تكون عنده المرأة يكرهها لكبر سنها أو دمامتها ويريد التزوج بخير منها ويخاف أن لا يعدل بينها وبين الجديدة فيكاشفها بذلك ويخيرها بين الطلاق وبين البقاء عنده بشرط ان تسقط عنه حقها في القسم اي حصتها من المبيت عندها ، ومثله الرجل الذي عنده امرأتان مثلا يكره إحداهما ويريد فراقها إلا أن تصالحه على اسقاط حقها في المبيت ، أو يعجز عن النفقة عليهما فيريد ان يطلق إحداهما إلا أن تصالحه على اسقاط حقها من النفقة ، فإذا لم ترض المكروهة لكبرها أو قبحها الا بحقها في القسم والنفقة وجب على الرجل إيفاؤها حقها وأن لا ينقص منه شيئا ، فان قدر على أن يصالحها بمال يبذله لها بدلا من لياليها ورضيت بذلك جاز لهما ولا جناح عليهما فيه كما لا جناح عليهما في غير هذه الصورة من صور الصلح فان المقصد هو التراضي والمعاشرة المعروف أو التسريح باحسان وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من التسريح والفراق وان كان باحسان وأداء المهر والمتعة وحفظ الكرامة كما هو الواجب على المطلق - لان رابطة الزوجية من أعظم الروابط وأحقها بالحفظ ، وميثاقها من أغلظ المواثيق واجدرها بالوفاء ، وعروض الخلاف والكراهة وما يترتب عليها من النشوز والاعراض وسوء المعاشرة لمن لم يقف عند حدود اللّه من الأمور الطبيعية التي لا يمكن زوالها من بين البشر ، والشريعة العادلة الرحيمة هي التي تراعى فيها السنن الطبيعية والوقائع الفعلية بين الناس ، ولا يتصور في ذلك أكمل مما جاء به الاسلام فإنه جعل القاعدة الأساسية هي المساواة بين الزوجين في كل شيء الا القيام برياسة الأسرة والقيام على مصالحها لأنه أقوى بدنا وعقلا وأقدر على الكسب وعليه النفقة فقال « وَلَهُنَّ